الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

19

مختصر الامثل

والتصلّب والتعنّت ، بل كانوا يرشقونه بتهمهم ، ولذلك كله كان النبي صلى الله عليه وآله يشعر بالغم والحزن ، واللَّه تعالى في مواضع كثيرة من القرآن يواسي النبي صلى الله عليه وآله ويصبّره على ذلك ، لكي يواصل مسيرته بقلب أقوى وجأش أربط ، كما جاء في هذه الآية : « قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ » . فاعلم أنّهم لا ينكرونك أنت ، بل هم ينكرون آيات اللَّه ، ولا يكذّبونك بل يكذّبون اللَّه : « فَإِنَّهُمْ لَايُكَذّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » . ومثل هذا القول شائع بيننا ، فقد يرى « رئيس » أنّ « مبعوثه » إلى بعض الناس عاد غاضباً ، فيقول له : « هوّن عليك ، فإنّ ما قالوه لك إنّما كان موجّهاً إليّ ، وإذا حصلت مشكلة فأنا المقصود بها ، لا أنت » وبهذا يسعى إلى مواساة صاحبه والتهوين عليه . الآية الثانية تستأنف مواساة الرسول صلى الله عليه وآله وتبيّن له حال من سبقه من الأنبياء ، وتؤكد له أنّ هذا ليس مقتصراً عليه وحده ، فالأنبياء قبله نالهم من قومهم مثل ذلك أيضاً : « وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ » . ولكنهم صبروا وتحمّلوا حتى انتصروا بعون اللَّه : « فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتهُمْ نَصْرُنَا » وهذه سنة إلهية لا قدرة لأحد على تغييرها : « وَلَا مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ » . وعليه ، فلا تجزع ولا تبتئس إذا ما كذّبك قومك وآذوك ، بل اصبر على معاندة الأعداء وتحمّل أذاهم ، واعلم أنّ الإمدادات والألطاف الإلهية ستنزل بساحتك بموجب هذه السنّة ، فتنتصر في النهاية عليهم جميعاً ، وإنّ ما وصلك من أخبار الأنبياء السابقين عن مواجهتهم الشدائد والمصاعب وعن ثباتهم وصبرهم وإنتصارهم في النهاية ، لهو شهادة بيّنة لك : « وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ » . تشير هذه الآية إلى مبدأ عام هو أنّ قادة المجتمع الصالحين الذين يسعون لهداية الشعوب عن طريق الدعوة إلى مبادئ وتعاليم بنّاءة ، وبمحاربة الأفكار المنحطّة والخرافات السائدة والقوانين المغلوطة في المجتمع ، يواجهون معارضة شديدة من جانب فريق الإنتهازيين الذين يرون في انتشار تلك التعاليم والمبادىء البنّاءة خطراً يهدد مصالحهم ، فلا يتركون وسيلة إلّا استخدموها لترويج أهدافهم المشؤومة ، وبكل ما يخطر لهم من سلاح لمحاربة أولئك المصلحين . إلّا أنّ الحقيقة ، بما فيها من قوة الجاذبية والعمق ، وبموجب السنّة الإلهية ، تعمل عملها إلّا أنّ شرط هذا الإنتصار هو الصبر والمقاومة والثبات .